الشيخ محمد الصادقي

138

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

--> يوم من أيامه الأولى أتى إلى بيتي ، ولأنه كان من تلامذة الحاج ميرزا حسين النوري صاحب مستدرك الوسائل ، بهذه المناسبة سألته ، ماذا حمل أستاذكم على تأليف كتابه : ( فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرياب ) الذي هو مزرءة مخجلة بالكتاب العزيز ، وذريعة للنقد والتهجم عليه من قبل المعاندين ؟ فمكث هنيئة يبكي ، فقلت له : هل أسأت الأدب في سؤالي هذا ؟ قال : لا ، ولكن خطر ببالي خاطرة خطيرة مزعجة عن سبب تأليف هذا الكتاب ، وهي أنني كنت ممن يساعد الشيخ في جمع المسانيد كتابه : مستدرك الوسائل ، فإذا حضر سيد معمم هندي وسلم عليه وقال : أيها الشيخ الجليل هل كان اسم إمامنا أمير المؤمنين عليه السلام في القرآن ؟ قال : نعم ولكنهم حذفوه عنه ، قال : أفهكذا يُظلم إمامنا وأنتم ساكتون ؟ أترجَّى منكم بكل إصرار أن تكتبوا لي كل يوم صفحة مما جرى على ضوء رواياتنا حول ما نقص عن القرآن حتى تثلج صدورنا بما كان فيه من فضائله عليه السلام ونزداد له حباً ، فأجابه الشيخ وكان يأتيه كل يوم ويأخذ صفحة مما كان يجمع الشيخ من موارد التحريف ويستنسخها ويرد الأصل إليه حتى تم الكتاب باسم « فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرياب » ثم غاب ولم يرجع ، واتفق لي أنني راجعت السفارة البريطانية في بغداد لأخذ تأشيرة السفر إذ كانت العراق يومذاك تحت السلطة البريطانية ، فرأيت واحداً من أعضاء السفارة ينظر إلى نظرة قاصدة متكررة ، فأصبحت أنظر إليه وتلمَّحت أنني رأيته من ذي قبل ، فسلّم علي وقال لي : أتعرفني ؟ قلت : لا ، قال : أنا السيد الهندي الذي كنت آتي بيت الشيخ وآخذ منه يومياً صفحة من كتاب « فصل الخطاب » قلت : كيف غيرت زيَّك وملابسك ، قال : أنا بريطاني أشتغل في السفارة البريطانية كما تراني وقد كنت مأموراً بما حصلت عليه من الشيخ فحصل المقصود تماماً . يقول السردار كابلي : ولما أنتشر خبر هذا الكتاب - وقد أخذه الشيخ رضا المكتبي المسجد شاهي في سفرته إلى النجف ليطبعه - أخذت الهجمات تتوارد على الشيخ بكل تشنيع وتقبيح من علماء العراق وإيران ، وقد طبع الكتاب وقتئذٍ ، فاضطر الشيخ أن يطلب من رئيس الوزارة الإيرانية وقتذاك « أتابك » أن يمنع عن نشره وفَور وصول الخبر أمر أتابك أن تحبس نسخ الكتاب في غرفة وتسكّر حتى ينفنيها عن آخرها ، فصادف بعد أيام أن قُتل أتابك ثم اغتنم الشيخ رضا الكتبي الفرصة ففتح الغرفة بِحيَل ورُشاً فنشرها ، حرصاً على متعة الحياة الدنيا . وثانيهما المغفور له صاحب « الذريعة إلى تصانيف الشيعة » الشيخ آغا بزرگ الطهراني وهو من أكابر العلماء المحدثين ، سألته يوماً مَّا - حيث كنت أراجعه في بيته لاستعارة كتب حول التفسير وغيره عندما نزلت النجف الأشرف بعدما تخلصت عن السجن المكي عام 1341 - فقلت ماذا حمل أستاذكم على تأليف كتاب « فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرياب » وكان مما استعرته منه نفس الكتاب بخط الشيخ النوري ؟ قال : وأنا ممن سألته عن ذلك فأجاب : رأيت روايات أهل البيت عليهم السلام منتشرة في مختلف الكتب فأحببت أن أجمعها في مؤلف واحد رغم أنني لا أتأكد تحريف الكتاب ، قلت : كيف يجمع الشيخ ما لا يتأكد من صحته ، فهل كان يسمح الشيخ لنفسه أن لو أنتشرت بين الناس فرية على زوجته أن يجمعها في مؤلف يُطبع وهو لا يتأكد ، بل ويتأكد من أن هذه لفرية ؟ ! ثم قلت : أنه كرس شطراً من عمره في جمع هذه الأحاديث من مثل بستان المذاهب وسواه من المختلفات الزور ، واجتهد في نقل متونها بأسانيدها والكتب المنقولة هي عنها ، ولكنه لما يستدل بآية الذكر رداً على من يستدل بها بصيانة القرآن عن التحريف يكتبها هكذا « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ » ثم يقول : من الذكر المنزل الرسول لقوله تعالى : « قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا » رغم أن الآية هي « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ » تأكيدات عشرة حول الحفاظ على الذكر المنزَّل - لا المنزل - إذ إن « نَزَّلْنَا » تعني تدريجية النزول فلا تعني الرسول صلى الله عليه وآله نفسه بل هو القرآن حيث تدرج نزوله عليه ؟ قال : نعم ، ولكنه لم تكن له فرصة تتيح له أن يراجع القرآن ، قلت : أجل كانت فُرصة متاحة لجمع هذه الأساطير نقضاً لعصمة القرآن ، فلم تبق له فرصة لمراجعة القرآن حتى ينقل الآية التي يعني نقض دلالتها على صيانة القرآن ، كما هي في القرآن ! ! ! .